محمد متولي الشعراوي

588

تفسير الشعراوي

نفسه ، لأنه لا يرى في كل تكليف إلا تطهيرا للنفس وخيرا للذرية ونعيما في الآخرة . . ولذلك يقول كما يروى لنا الحق : « وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » . . وتب علينا ليس ضروريا أن نفهمها على أنها توبة من المعصية . . وأن إبراهيم وإسماعيل وقعا في المعصية فيريدان التوبة إلى اللّه . . وإنما لأنهما علما أن من سيأتي بعدهما سيقع في الذنب فطلبا التوبة لذريتهما . . ومن أين علما ؟ عندما قال اللّه سبحانه وتعالى لإبراهيم : « وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » . . لقد طلبا من اللّه تبارك وتعالى التوبة والرحمة لذريتهما . . واللّه يحب التوبة من عباده وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة . . لأن المعصية عندما تأخذ الإنسان من منهج اللّه لتعطيه نفعا عاجلا فإن حلاوة الإيمان - إن كان مؤمنا - ستجذبه مرة أخرى إلى الإيمان بعيدا عن المعاصي . . ولذلك قيل إن انتفعت بالتوبة وندمت على ما فعلت فإن اللّه لا يغفر لك ذنوبك فقط ولكن يبدل سيئاتك حسنات . . وقلنا إن تشريع التوبة كان وقاية للمجتمع كله من أذى وشر كبير . . لأنه لو كان الذنب الواحد يجعلك خالدا في النار ولا توبة بعده لتجبّر العصاة وازدادوا شرا . . ولأصيب المجتمع كله بشرورهم وليئس الناس من آخرتهم لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) « 1 » . لذلك فمن رحمة اللّه سبحانه أنه شرع لنا التوبة ليرحمنا من شراسة الأذى والمعصية .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي وابن ماجة والدارمي في سننه والحاكم في مستدركه .